فخر الدين الرازي
211
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : في تفسير هذا الرجاء قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على تفسير الرجاء هاهنا بالخوف قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] وقوله : وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 49 ] وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] قال الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها والقول الثاني : تفسير الرجاء بالطمع ، فقوله : لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي لا يطمعون في ثوابنا ، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس ، كما قال : قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ [ الممتحنة : 13 ] . واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ولا مانع هاهنا من حمل الرجاء على ظاهره البتة ، والدليل عليه أن لقاء اللّه إما أن يكون المراد منه تجلي جلال اللّه تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب اللّه تعالى وإلى رحمته فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد يرجو من اللّه تعالى أن يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا كان كذلك فكل من آمن باللّه فهو يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن باللّه ولا بالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان باللّه واليوم الآخر . المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق اللّه تعالى محال ، لكونه منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، وهذا مجاز ظاهر فإنه يقال : لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب اللّه يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل . واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى فيها معرفة اللّه تعالى ويكمل إشراقها ويقوى لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي من أعظم السعادات فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين . الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا . واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه في طلبها . والصفة الثالثة : قوله تعالى : وَاطْمَأَنُّوا بِها وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر اللّه نوع من الوجل والخوف كما قال تعالى : الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ * [ الحج : 35 ] ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر اللّه تعالى كما قال تعالى : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب لذاتها كما قال في هذه الآية : وَاطْمَأَنُّوا بِها